ابن بطوطة

83

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الحل والترحال . . . وقد كان يصدق عليه قول ابن زريق البغدادي في قصيدته : ما آب من سفر إلا وأزعجه * رأى إلى سفر بالعزم يجمعه كأنّما هو من حل ومرتحل * موكّل بفضاء اللّه يذرعه ! إذا الزمان أراه بالرحيل غنى * ولو إلى السّند أضحى وهو يزمعه ! ! لقد قام ابن بطوطة برحلاته العديدة التي كان يستهدف فيها أحيانا لسائر أنواع الامتحان ، ويتعرض للخطر في عدد من الحالات . . . ، وحتى عندما قام بزيارة الأندلس وبلاد السودان ، لكنه نجا من جميع تلك الأهوال فكان لسان حاله ينشد قول الشريف الإدريسي : دعني أجل ما بدت لي * سفينة أو مطيّة لا بدّ يقطع سيري * أمنة أو منية ! ! وإن الذين يسمحون لأنفسهم بتحجيم ابن بطوطة والادعاء بأنه كان محدود الثقافة كانوا بعيدين عن الحقيقة . . . ولعل بعضهم ظلّل بما قرأه عن تكليف السلطان أبي عنان للكاتب ابن جزي بترتيب الرحلة . . . حيث وجد في ذلك ما يعبر - ربّما - عن " عجز " ابن بطوطة عن القيام بالمهمة . . . ! وهذا خطأ " بيّن ، تكشف لنا عنه أولا الصفة التي رشّحت ابن جزي للقيام بهذا العمل والتي أشار إليها المقري في ( النفح ) " بأنه أي ابن جزي ، إن كتب أربى على ابن مقلة بخطّه . . . " وثانيا ما أضفاه ابن جزي نفسه في المقدمة على ابن بطوطة من كل الأوصاف التي تؤكد عن عمق معارف الرحالة : فهو " الشيخ ، وهو الفقيه وهو الثقة وهو الصدوق ، وهو الذي باحث فرق الأمم ، وسبر سير العرب والعجم ، ولم أتعرض - يقول ابن جزي - لبحث عن حقيقة ما قال لأنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك . . . ! ونريد أن نقول ، ونحن نقف إلى جانب من يقتنعون بالمركز العلمي الموموق للرحالة المغربي ، نقول : إن القرار الذي اتخذه السلطان أبو عنان بالإعلان عن مصداقية الرحلة وأهميتها لم يكن قرارا ارتجاليا أو عاطفيا ، ولكنه كان وليد استمزاج رأي أعضاء المجلس العلمي الذي اعتاد السلطان أن يركن إليه كلّ مطلع شمس ، ذلك المجلس الذي كان بمثابة أكاديمية حقيقية يلجأ إليها العاهل عند الحاجة ، وقد قرأنا فيما سجله الكاتب ابن جزي في مقدمة الرحلة أنه " لا تقع في مجلس أبي عنان مسألة علمية في أيّ علم كان ، إلا حل مشكلها